من غزة إلى الجولان ولبنان.. كيف أعادت إسرائيل رسم حدودها الأمنية بعد 7 أكتوبر؟

- ‎فيعربي ودولي

بعد نحو ثلاثة أعوام على هجوم السابع من أكتوبر 2023، تبدو إسرائيل أمام تحول واسع في مفهومها للأمن والحدود، بعدما كشفت العملية العسكرية التي نفذتها المقاومة الفلسطينية هشاشة منظومة اعتمدت لعقود على الردع والاحتواء والإنذار المبكر، وعلى الاعتقاد بأن التكنولوجيا والأسوار والتحصينات قادرة على حماية الجبهة الداخلية.

فبدلاً من الاكتفاء بالدفاع خلف الحدود، اتجهت المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية إلى تبني تصور يقوم على إبعاد الخطر إلى عمق الأراضي المحيطة، من خلال إنشاء مناطق عازلة، ونشر قوات في أراضٍ مجاورة، ومنع عودة السكان إلى مناطق قريبة من الحدود، بما يحول مساحات واسعة إلى أحزمة أمنية تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.

وبحسب تحليلات إسرائيلية ودولية، فإن هذا التحول يعيد إحياء منطق «الجدار الحديدي» الذي طرحه زئيف جابوتنسكي عام 1923، لكنه يأتي هذه المرة في صورة أكثر اتساعًا، تمتد من قطاع غزة جنوبًا إلى جنوب لبنان والجولان السوري شمالًا.

وتزداد خطورة هذا التحول مع تزامنه مع صعود خطاب اليمين الإسرائيلي بشأن التوسع الإقليمي، وما يصفه بعض قادته بـ«إسرائيل الكبرى»، الأمر الذي يضع الحدود بين الاعتبارات الأمنية والطموحات الأيديولوجية أمام اختبار جديد.

 

من الجدار الذكي إلى الحزام الأمني

تعود فكرة إبعاد الخطر عن الحدود الإسرائيلية إلى بدايات المشروع الصهيوني، حين طرح جابوتنسكي في مقال «الجدار الحديدي» عام 1923 تصورًا يقوم على بناء قوة عسكرية تجعل خصوم المشروع الصهيوني عاجزين عن اقتلاعه.

وتحولت الفكرة لاحقًا إلى أحد مكونات العقيدة الأمنية الإسرائيلية، التي قامت على الإنذار المبكر والردع والحسم، قبل أن تدخل التكنولوجيا بقوة إلى منظومة حماية الحدود.

وكان الجدار الحدودي مع قطاع غزة أبرز نماذج هذا التصور؛ إذ اكتمل في ديسمبر 2021 مشروع «الجدار الذكي» الذي تجاوزت كلفته مليار دولار، وضم جدارًا إسمنتيًا تحت الأرض مزودًا بمستشعرات لرصد الأنفاق، وسياجًا فولاذيًا بارتفاع ستة أمتار، إلى جانب كاميرات ورادارات ومنصات أسلحة آلية.

لكن هذه المنظومة انهارت خلال ساعات في السابع من أكتوبر 2023، بعدما تمكن مقاتلو المقاومة من اختراق السياج في نقاط متعددة، وتعطيل وسائل المراقبة والأسلحة الآلية، واستخدام الجرافات والطائرات الشراعية والمسيّرات لتجاوز التحصينات.

وكشفت التحقيقات الإسرائيلية اللاحقة أن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا، إلى جانب الإخفاق الاستخباري والبشري، كان من أبرز أسباب الانهيار، لتخرج المؤسسة الأمنية باستنتاج مفاده أن الحدود لا يمكن أن تكون خط الدفاع الوحيد.

ومن هنا بدأت تتبلور فكرة «الحدود متعددة الطبقات»، التي تنقل المواجهة إلى ما وراء السياج، وتمنح إسرائيل مساحة أوسع للمناورة العسكرية.

 

غزة.. «الخط الأصفر» يتحول إلى واقع دائم

في قطاع غزة، ظهر النموذج الأكثر وضوحًا لهذه الاستراتيجية من خلال ما عرف بـ«الخط الأصفر»، الذي طُرح في البداية باعتباره خط انتشار مؤقتًا للجيش الإسرائيلي ضمن خطة وقف الحرب.

ومع بدء وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، جرى تثبيت مواقع الخط بعلامات ومكعبات خرسانية صفراء، وقسمت الخرائط القطاع إلى مناطق تخضع للسيطرة الإسرائيلية وأخرى يُفترض أن تنتقل تدريجيًا إلى ترتيبات جديدة.

لكن الخط لم يبقَ عند حدوده الأولى، إذ تحركت العلامات باتجاه الغرب، واتسعت المساحة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية إلى أكثر من 60% من مساحة القطاع وفق تقديرات ميدانية، فيما تحدث رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عن هدف بالوصول إلى 70%.

وفي ديسمبر 2025، وصف رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير الخط بأنه «خط حدودي جديد» و«خط دفاع متقدم للمستوطنات» و«خط هجوم»، بما يعكس تحوله من إجراء مؤقت إلى جزء من التصور الأمني الإسرائيلي للقطاع.

وفي سبتمبر 2026، أعلن نتنياهو خلال زيارة لموقع عسكري قرب الخط أن إسرائيل تسيطر على نحو 60% من قطاع غزة، مؤكدًا أنها لن تنسحب من المنطقة التي تسيطر عليها، ومعلنًا أن «المزيد قادم»، كما تعهد وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس ببقاء الجيش في المناطق الأمنية «في أي وضع مؤقت أو دائم».

وبذلك، تحولت المنطقة العازلة من أداة يفترض أن تستخدم خلال مرحلة انتقالية إلى وسيلة لتثبيت وجود عسكري طويل الأمد، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة رسم جغرافية القطاع بصورة دائمة.

 

لبنان.. نسخة جديدة من الحزام الأمني

لم تتوقف الاستراتيجية عند غزة، إذ أعادت إسرائيل إنتاج النموذج نفسه في جنوب لبنان. فبعد وقف إطلاق النار، أعلنت إسرائيل في أبريل 2026 إقامة ما وصفته بـ«الخط الأصفر» داخل الأراضي اللبنانية، بعمق يتراوح بين أربعة وعشرة كيلومترات، ويمتد من منطقة البياضة الساحلية جنوب صور باتجاه السفوح الغربية لجبل الشيخ، ليتصل بمناطق السيطرة الإسرائيلية في الجولان.

ويُمثل هذا التطور انتقالًا من الاحتفاظ بعدد محدود من النقاط العسكرية إلى إنشاء نطاق جغرافي أوسع يخضع للوجود العسكري المباشر.

وتقول إسرائيل إن الهدف هو منع اقتراب حزب الله من الحدود وحماية البلدات الإسرائيلية، لكن ربط الانسحاب بنزع سلاح الحزب وغياب أي تهديد يضع شرطًا مفتوحًا يمكن أن يسمح باستمرار الوجود العسكري دون سقف زمني واضح.

ويعيد ذلك إلى الأذهان تجربة الحزام الأمني الذي أقامته إسرائيل في جنوب لبنان عقب اجتياح عام 1982، والذي امتد بعمق وصل إلى 15 كيلومترًا وأدارته بالتعاون مع ميليشيا «جيش لبنان الجنوبي» لنحو 18 عامًا، قبل الانسحاب الإسرائيلي عام 2000.

وتشير التجربة التاريخية إلى أن المناطق العازلة التي تقام داخل أراضي الغير لا تؤدي بالضرورة إلى إنهاء التهديد، وإنما قد تتحول إلى ساحات استنزاف مفتوحة.

 

سوريا.. احتلال بلا خط معلن

أما في الجبهة السورية، فتبدو الصورة مختلفة من حيث الشكل، لكنها تتقاطع مع النموذج ذاته من حيث الهدف.

فبعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، أعلنت إسرائيل إلغاء العمل باتفاقية فك الاشتباك لعام 1974، ودفع جيشها بقواته إلى المنطقة العازلة ومناطق من محافظتي درعا والقنيطرة، وصولًا إلى محيط جبل الشيخ.

وتشير تقديرات إلى أن المساحة التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية الفعلية تقدر بنحو 350 كيلومترًا مربعًا، فيما تنتشر القوات في نقاط عسكرية ثابتة، بعضها داخل المنطقة العازلة وبعضها في مواقع مرتفعة استراتيجية.

وخلال عام 2025، سجلت مئات التوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، فيما أعلن وزير الحرب الإسرائيلي بقاء القوات في المنطقة إلى أجل غير مسمى، في إطار ما وصفه بـ«سياسة جديدة في جنوب سوريا».

ولا تقتصر السياسة الإسرائيلية على السيطرة الميدانية، إذ تُطالب تل أبيب أيضًا بنزع السلاح من مناطق واسعة في جنوب سوريا، بما في ذلك القنيطرة ودرعا والسويداء، وهو ما يعني عمليًا تقييد قدرة الدولة السورية على بناء جيشها ونشر قواتها وتحديد ترتيباتها الأمنية.

وتحولت هذه المسألة إلى عقبة أمام المفاوضات السورية الإسرائيلية، بعدما تمسكت دمشق بحقها في بناء قواتها المسلحة وتحديد تحالفاتها، في حين أصرت إسرائيل على الاحتفاظ بالمنطقة التي تعتبرها «أصلًا أمنيًا».

كما دخل العامل الطائفي على خط السياسة الإسرائيلية في الجنوب السوري، خصوصًا بعد أحداث السويداء، حين قدمت إسرائيل تدخلاتها العسكرية باعتبارها حماية للدروز، بينما اعتبر أبناء الطائفة هذه التدخلات انتهاكًا لسيادة سوريا.

وتشير تقارير إلى اتصالات ودعم إسرائيلي لفصائل درزية، بما يعزز مخاوف من استخدام الانقسامات الداخلية لتثبيت واقع أمني وسياسي جديد في الجنوب.

 

من الأمن إلى «إسرائيل الكبرى»

يتزامن هذا التوسع العسكري مع تصاعد خطاب اليمين الإسرائيلي بشأن «إسرائيل الكبرى»، وهي رؤية تتجاوز الحدود التي أُقيمت عليها الدولة الإسرائيلية عام 1948، وتتباين تعريفاتها بين الأراضي المحتلة عام 1967 وتصورات دينية وقومية أكثر اتساعًا تشمل أجزاء من دول عربية مجاورة.

وقد ظهر هذا الخطاب بوضوح لدى رموز اليمين الإسرائيلي، فيما منح نتنياهو نفسه خلال السنوات الأخيرة مساحة أكبر لهذه الرؤية، بالتزامن مع توسع الاستيطان والدعوات إلى إعادة توطين الإسرائيليين في مناطق جديدة.

وتظهر حركة الاستيطان في غزة وجنوب سوريا بوصفها أحد التعبيرات العملية عن هذا التصور؛ إذ تتحول السيطرة العسكرية إلى واقع سكاني، ثم يصبح وجود المستوطنات مبررًا لاستمرار الحماية العسكرية، لتدخل إسرائيل في دائرة تربط بين الأمن والاستيطان والتوسع.

 

مصر والأردن.. حدود السلام تحت الاختبار

ويمتد القلق الإسرائيلي إلى الدول التي ترتبط معها باتفاقيات سلام، وعلى رأسها مصر والأردن، ففي الحالة المصرية، تتعامل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بحساسية متزايدة مع التطورات العسكرية في سيناء، وتراقب ما تعتبره زيادة في حجم وانتشار القوات المصرية بالقرب من الحدود، رغم أن الانتشار العسكري المصري يخضع لترتيبات أمنية مرتبطة باتفاقية كامب ديفيد.

وتشير تقديرات إسرائيلية إلى وجود عشرات الآلاف من الجنود المصريين في سيناء، إلى جانب معدات عسكرية ومنظومات دفاعية ومنشآت جديدة، وهو ما تنظر إليه دوائر إسرائيلية باعتباره تطورًا يستوجب المراقبة.

وفي هذا السياق، أُثيرت مخاوف إسرائيلية بشأن ما تعتبره تجاوزًا للقيود المفروضة بموجب الترتيبات الأمنية، فيما ترى القاهرة أن تعزيز قدراتها العسكرية في سيناء يرتبط بمتطلبات حماية الحدود ومكافحة التهديدات الأمنية.

أما الأردن، الذي وقع اتفاقية سلام مع إسرائيل عام 1994، فقد شهد تعزيزًا إسرائيليًا للإجراءات العسكرية على الحدود الشرقية.

وفي يونيو 2025، أنشأت إسرائيل فرقة عسكرية جديدة حملت اسم «الفرقة 96» أو «جلعاد»، وانتشرت على امتداد مناطق قريبة من الحدود الأردنية، في خطوة عكست تنامي الاهتمام الإسرائيلي بالجبهة الشرقية، كما أقر المجلس الوزاري الإسرائيلي عددًا من المستوطنات في منطقة غور الأردن تحت عنوان تعزيز الدفاع عن الحدود.

وتتجاوز المخاوف الإسرائيلية في هذه الجبهة التهديد العسكري المباشر إلى المخاوف الديموغرافية والسياسية، في ظل الحديث المتكرر داخل اليمين الإسرائيلي عن تهجير الفلسطينيين، وهو ما يثير في الأردن مخاوف قديمة من تحويل المملكة إلى «وطن بديل».

 

جيش ينتشر على أربع جبهات

لكن استراتيجية الانتشار الدائم تفرض في المقابل كلفة عسكرية واقتصادية متزايدة على إسرائيل. فمع استمرار العمليات العسكرية على جبهات متعددة، تواجه المؤسسة العسكرية مشكلة في أعداد الجنود والاعتماد المتزايد على قوات الاحتياط.

وحذر رئيس الأركان إيال زامير من الضغوط التي يتعرض لها الجيش بسبب نقص الأفراد، مشيرًا إلى الحاجة إلى آلاف الجنود الإضافيين، في وقت بات فيه جنود الاحتياط يخدمون فترات أطول وبوتيرة متكررة.

كما تواجه إسرائيل ضغوطًا مالية متزايدة نتيجة ارتفاع كلفة الحرب والإنفاق العسكري، فيما أشارت وثائق إلى فجوة بمليارات الشواكل بين احتياجات الجيش والمخصصات المالية المتاحة.

وتضع هذه المعطيات الاستراتيجية الإسرائيلية أمام معادلة صعبة: فكلما توسعت المناطق العازلة زادت الحاجة إلى قوات لتأمينها، وكلما طال أمد السيطرة ارتفعت التكلفة العسكرية والاقتصادية، بينما تتحول الحدود المؤقتة تدريجيًا إلى خطوط ثابتة تحتاج إلى حماية دائمة.

 

من الردع إلى السيطرة

تكشف التطورات على الجبهات الأربع عن تحول جوهري في العقيدة الأمنية الإسرائيلية. فبعد أن كان الهدف هو منع وصول الخطر إلى داخل إسرائيل عبر الردع والإنذار المبكر والتحصينات التكنولوجية، بات التصور الجديد يقوم على دفع الخطر بعيدًا عن الحدود، وإقامة مناطق فاصلة، ومنع عودة السكان إلى مناطق واسعة، وفرض وجود عسكري في عمق أراضي الجوار.

لكن هذا التحول لا يخلو من مخاطر استراتيجية؛ فالتجربة التاريخية للحزام الأمني في جنوب لبنان أظهرت أن الاحتلال لا يُلغي التهديد بالضرورة، بل يمكن أن يحوله إلى مواجهة طويلة الأمد.

كما أن تحويل المناطق العازلة إلى واقع دائم يضع إسرائيل أمام أعباء قانونية وسياسية وعسكرية متزايدة، ويجعل قواتها أهدافًا مباشرة في أراضٍ خارج حدودها المعترف بها.

وفي الوقت نفسه، فإن تداخل الاعتبارات الأمنية مع مشروع الاستيطان والتوسع الإقليمي يُهدد بتحويل «المنطقة العازلة» من أداة دفاعية مؤقتة إلى مشروع لإعادة تشكيل جغرافية المنطقة.

وهكذا، فإن ما بدأ بعد السابع من أكتوبر باعتباره محاولة إسرائيلية لمعالجة فشل أمني واستخباري تاريخي، يتحول تدريجيًا إلى عقيدة تقوم على إعادة رسم الحدود الأمنية خارج الحدود السياسية؛ من غزة إلى لبنان وسوريا، وصولًا إلى مراقبة مصر والأردن.

ويبقى السؤال الأصعب أمام إسرائيل: هل تستطيع فرض هذه الأحزمة بالقوة وتحمل كلفتها البشرية والاقتصادية والسياسية لسنوات طويلة، أم أن تحويل العمق العربي إلى مناطق عازلة سيعيد إنتاج الصراع والاستنزاف الذي حاولت العقيدة الأمنية الإسرائيلية لعقود تجنبه؟