5.9% من القضاة خارج الخدمة خلال 4 سنوات.. فتّش عن الرواتب و«أوبر» والتحقيقات التأديبية
قالت منصة "متصدقش" "إن أكثر من 1300 قاضٍ وعضو نيابة عامة غادروا السلك القضائي خلال أربع سنوات، في الفترة من عام 2022 وحتى مارس 2026، من 7 مصادر قضائية، بينهم 3 قضاة بدرجة نائب رئيس محكمة النقض، و3 بدرجة رئيس محكمة استئناف، وقاضٍ بإدارة التفتيش القضائي".
وأكدت أن نحو 800 منهم استقالوا خلال العامين القضائيين الأخيرين احتجاجًا على تدني الرواتب مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة، بينما ارتبطت مئات الحالات الأخرى بتحقيقات تأديبية وجنائية ومخالفات وظيفية، من بينها واقعة تشغيل سيارات مملوكة لنحو 350 قاضيًا عبر أوبر.
الأرقام تأتي بالتزامن مع جدل أثاره إعلان أحد مكاتب المحاماة عن حاجته إلى قضاة سابقين بمتوسط راتب يصل إلى 50 ألف جنيه، وهو ما دفع المتحدث باسم نادي القضاة، المستشار محمد عبد الهادي، إلى انتقاد مستويات أجور القضاة، معتبرًا أن وصول راتب القاضي السابق إلى هذا المستوى بعد خروجه من الخدمة يكشف، بحسب رؤيته، الفارق بين دخول القضاة أثناء وجودهم في المنصة وما يمكن أن يحصلوا عليه بعد مغادرتها.
1300 قاضٍ و4 سنوات
ويمثل 1300 قاض نحو 5.9% من إجمالي أعداد القضاة في مختلف الهيئات القضائية، والبالغ عددهم نحو 22 ألف قاضٍ، وفق تصريحات سابقة لوزير العدل عمر مروان في ديسمبر 2020، مع عدم توافر بيانات أحدث منشورة عن إجمالي عدد القضاة يمكن من خلالها احتساب النسبة بصورة محدثة.
وتوزعت حالات الخروج من الخدمة، وفق المصادر، بين استقالات جماعية، وتحقيقات تأديبية وجنائية، وقرارات عزل، إلى جانب وقائع تتعلق بممارسة أعمال مهنية أو تجارية محظورة على القضاة.
الرواتب وتكاليف المعيشة
ويستحوذ ملف الاستقالات على الجزء الأكبر من الحالات، إذ استقال نحو 800 قاضٍ وعضو نيابة عامة خلال العامين القضائيين 2023/2024 و2024/2025، حتى مارس 2026، بحسب المصادر التي تحدثت إلى «متصدقش».
وتقول المصادر: "إن السبب الرئيسي وراء هذه الاستقالات تمثل في اعتراض القضاة على تدني الرواتب مقارنة بالارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة خلال السنوات الأخيرة، معتبرين أن مستويات الدخول لم تعد تتناسب مع الأعباء الاجتماعية والمهنية المرتبطة بالعمل القضائي".
وتتراوح رواتب المناصب القضائية العليا، مثل نائب رئيس محكمة النقض أو رئيس محكمة استئناف القاهرة، بين نحو 40 و50 ألف جنيه، بينما يبلغ راتب رئيس محكمة «أ» نحو 25 ألف جنيه، ورئيس محكمة «ب» نحو 20 ألف جنيه، وتشمل هذه الأرقام، بحسب المصادر، بدلات مرتبطة بطبيعة العمل والتفرغ والانتقال والسكن، إضافة إلى الحوافز ومكافآت الجهود غير العادية، والتي تتراوح قيمتها بين 7 آلاف و15 ألف جنيه.
التضخم ودخول القضاة
تأتي شكاوى القضاة من تراجع القيمة الفعلية للرواتب في ظل موجة تضخم شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة، ووفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفع معدل التضخم على مستوى الجمهورية من 5.8% في عام 2021 إلى 14.9% في 2022، ثم قفز إلى 35.4% في 2023، قبل أن يتراجع إلى 27.9% في 2024 ثم إلى 13% في 2025.
ويرى عدد من القضاة، بحسب المنصة، أن الزيادات المتتالية في أسعار السلع والخدمات أضعفت القيمة الشرائية لدخولهم، في وقت ترتبط فيه الوظيفة القضائية بالتزامات مهنية واجتماعية، فضلًا عن القيود المفروضة على القاضي في ممارسة أنشطة أو أعمال أخرى إلى جانب وظيفته.
وتشير المصادر إلى أن عددًا من القضاة الذين استقالوا اتجهوا بعد مغادرة السلك القضائي إلى العمل في شركات خليجية أو مكاتب قانونية دولية، حيث يحصلون على رواتب أعلى من تلك التي كانت متاحة لهم أثناء العمل القضائي داخل مصر.
إعلان بـ 50 ألف جنيه
وعاد ملف الأجور إلى الواجهة بعد إعلان مكتب المحامي أشرف نبيل عن حاجته إلى قضاة سابقين، بمتوسط راتب يصل إلى نحو 50 ألف جنيه.
وعلّق المتحدث باسم نادي القضاة، المستشار محمد عبد الهادي، على الإعلان معتبرًا أن عرض هذا المستوى من الدخل لاستقطاب قاضٍ سابق أو رئيس سابق بنيابة النقض للعمل في مكتب محاماة يعكس، من وجهة نظره، واقع رواتب القضاة وأعضاء النيابة خلال فترة خدمتهم.
وانتقد عبد الهادي ما وصفه بتراجع رواتب القضاة، معتبرًا أن الأمر أصبح «يدعو إلى الحرج»، في إشارة إلى الفارق بين ما يمكن أن يحصل عليه القاضي بعد ترك الخدمة وما يحصل عليه خلال سنوات عمله في السلك القضائي.
تشغيل سيارات أوبر
إلى جانب الاستقالات، يكشف التقرير عن واقعة أخرى أثارت جدلًا داخل الأوساط القضائية، تتعلق بنحو 350 قاضيًا ومستشارًا قالت المصادر إنهم شغّلوا سيارات مملوكة لهم ضمن منظومة النقل التشاركي لشركة «أوبر»، بواسطة سائقين يحصلون على عائد مقابل تشغيل السيارات يعود إلى أصحابها.
وبحسب المصادر، بدأت الواقعة بعد أن رصدت الإدارة العامة للمرور، التابعة لوزارة الداخلية، وجود سيارات تراكمت عليها أعداد كبيرة وغير معتادة من المخالفات المرورية، قبل إزالة هذه المخالفات بصورة متكررة، وهو ما دفع الجهات المختصة إلى إجراء تحريات موسعة حول السيارات ومالكيها.
وكشفت التحريات، وفق الرواية التي نقلتها المصادر، أن عددًا من السيارات مملوك لقضاة ومستشارين يعملون في جهات قضائية مختلفة، وأنها لم تكن تستخدم للاستخدام الشخصي فقط، وإنما تم تشغيلها في نشاط النقل الذكي عبر «أوبر» بواسطة سائقين مقابل عائد مالي.
قانون السلطة القضائية يحظر الأعمال التجارية
ويستند التعامل مع هذه الوقائع إلى المادة 72 من قانون السلطة القضائية وتعديلاته، التي تنص على عدم جواز قيام القاضي بأي عمل تجاري أو بأي عمل لا يتفق مع استقلال القضاء وكرامته، كما تجيز لمجلس القضاء الأعلى منع القاضي من أي عمل يرى أن ممارسته تتعارض مع واجبات الوظيفة وحسن أدائها.
وبحسب المصادر، أعدت الإدارة العامة للمرور كشفًا بأسماء نحو 350 قاضيًا تبين امتلاكهم سيارات تعمل في نشاط النقل الذكي، وأرسلت الكشف إلى النائب العام والتفتيش القضائي ومجلس القضاء الأعلى، مرفقًا به تقارير التحريات والبيانات الفنية الخاصة بالسيارات.
150 قاضيًا في قضايا فساد وتحقيقات تأديبية
أما بقية الحالات، وتقدر بنحو 150 قاضيًا ومستشارًا، فقد غادروا منصة القضاء خلال السنوات الأربع الأخيرة على خلفية تحقيقات تأديبية وجنائية وقضايا تتعلق بمخالفات وظيفية.
وتنوعت الوقائع، بحسب المصادر، بين اتهامات بالرشوة والفساد المالي، ومخالفات مالية وإدارية، واستغلال النفوذ، إلى جانب ممارسة أعمال مهنية أو تجارية خارج نطاق العمل القضائي ومخالفات مرتبطة بواجبات الوظيفة القضائية.
وانتهت بعض هذه التحقيقات إلى عزل أصحابها من الوظيفة القضائية، بينما انتهت حالات أخرى إلى الإحالة لوظائف غير قضائية داخل مؤسسات الدولة.
غياب تعليق مجلس القضاء الأعلى