قروض وتسديد في غير محله.. “البنك الدولي”: كامل الوزير تعثر بتنفيذ مشروع تطوير سكك حديد مصر

- ‎فيتقارير

بعد نحو 5 سنوات على بدء تنفيذ مشروع تطوير وسلامة سكك حديد مصر RISE، تكشف أحدث بيانات البنك الدولي عن فجوة بين الصورة الإيجابية التي تقدمها الحكومة المصرية عن المشروع وبين مؤشرات التنفيذ الفعلية، سواء على مستوى معدلات سحب التمويل أو مؤشرات السلامة أو الإصلاحات المؤسسية المرتبطة بالقرض.

 

 وفي الوقت الذي نقل فيه مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار عن مجموعة البنك الدولي إشادتها بالمشروع، باعتباره ساهم في تطوير قطاعات رئيسية على خط الإسكندرية–القاهرة–نجع حمادي، وتحسين البنية التحتية وأنظمة الإشارات وخفض تكاليف النقل واستهلاك الوقود والانبعاثات، أظهر تقرير حديث للبنك استمرار عدد من التحديات التي حالت دون تحقيق المستهدفات بالكامل.

وتكشف المقارنة بين البيانات الرسمية وتقييم البنك الدولي أن وصف مشروع تطوير السكك الحديدية بأنه حقق نتائج إيجابية لا يتعارض بالضرورة مع وجود تعثر في التنفيذ.

 

وحقق المشروع بحسب تقرير البنك تقدمًا في بعض جوانب البنية الأساسية والإشارات والتشغيل، لكن في المقابل لا تزال معدلات سحب القرض منخفضة نسبيًا بعد خمس سنوات، وتظل بعض مؤشرات السلامة دون المستهدف، كما تأخرت خطط السلامة والإصلاحات المؤسسية، ووصل تقييم المخاطر الائتمانية إلى المستوى المرتفع.

القضية الحقيقية ليست ما إذا كان مشروع تطوير السكك الحديدية جيدًا أم سيئًا، وإنما ما إذا كانت الدولة قادرة على تنفيذ مشروعاتها الممولة خارجيًا بالكفاءة والسرعة التي تبرر تكلفة الاقتراض، وتحويل الأموال المتاحة إلى نتائج ملموسة ومستدامة للمواطنين.

 

 وهنا تبرز المفارقة الأساسية: الإشادة بنتائج بعض مكونات المشروع لا تلغي مؤشرات التعثر في مكونات أخرى، كما أن وجود التعثر لا يعني أن كل ما تحقق من المشروع بلا قيمة. الحكم النهائي يتوقف على قدرة الحكومة والهيئة على إغلاق فجوة التنفيذ قبل انتهاء فترة المشروع وتحقيق مؤشرات السلامة والأداء المستهدفة.

47.7% فقط من القرض تم سحبه بعد 5 سنوات

يبلغ حجم القرض المعدل للمشروع نحو 421.2 مليون دولار، إلا أن المسحوب منه حتى أحدث تقييم بلغ 200.8 مليون دولار فقط، بما يعادل نحو 47.7%.

 

 ويستهدف مشروع RISE رفع مستوى السلامة والكفاءة التشغيلية على خط السكك الحديدية الممتد من الإسكندرية إلى القاهرة ثم نجع حمادي، إلى جانب تطوير أنظمة إدارة السلامة والأصول وتعزيز القدرات المؤسسية والبشرية داخل الهيئة القومية لسكك حديد مصر.

 

 ويعكس انخفاض معدل السحب بعد مرور هذه الفترة الزمنية بطء تحويل التمويل المتاح إلى مشروعات وأعمال مكتملة على الأرض.

المخاطر الائتمانية مرتفعة

من أبرز الملاحظات الواردة في تقييم البنك الدولي رفع تصنيف المخاطر الائتمانية للمشروع إلى مستوى مرتفع، وهو ما يرتبط بإدارة الأموال والمشتريات والمحاسبة والرقابة المالية.

 

 ويشير هذا التصنيف إلى وجود تحديات في البيئة الائتمانية تستدعي مستوى أعلى من الرقابة لضمان توجيه أموال القرض إلى الأغراض المحددة لها وفق القواعد والإجراءات المعتمدة.

 

 واللافت أن المخاطر الائتمانية كانت الفئة الوحيدة التي شهدت رفعًا في التقييم منذ الموافقة على المشروع، بينما بقيت بقية فئات المخاطر عند مستوياتها السابقة.

التحسن المستهدف

 

وتكمن المفارقة الأكبر في أن المشروع الذي يحمل في اسمه هدف تطوير وسلامة السكك الحديدية لم يحقق بعد التحسن المطلوب في عدد من مؤشرات السلامة.

وبحسب بيانات التقرير، بلغ معدل إصابات العمل 0.27 إصابة لكل 100 ألف ساعة عمل في ديسمبر 2025، مقابل مستهدف يبلغ 0.24 بحلول مارس 2027.

كما لم يظهر تقدم ملموس في عدد من المؤشرات المرتبطة بالوفيات والإصابات والحوادث الناتجة عن اصطدام القطارات أو تعرض المشاة والمركبات للحوادث على الخط المستهدف.

تنفيذ خطط السلامة لا يتجاوز 20%

وتظهر فجوة التنفيذ بصورة أوضح في خطط السلامة ومكافحة الحرائق داخل المحطات والورش، فمن بين 10 محطات مستهدفة، لم تنفذ الخطط سوى في محطتين فقط، بينما لم تستكمل في 8 محطات أخرى. كما لم يكن قد تم تشغيل أي من مزلقانات المشاة الآمنة ذات الحواجز، رغم استهداف تشغيل 10 مزلقانات مطورة قبل انتهاء المشروع.

29 مليون دولار معلقة

ولا يقتصر التعثر على الأعمال الإنشائية والفنية، بحسب البنك الدولي. إذ واجه المشروع أيضًا تأخرًا في تنفيذ إصلاحات مؤسسية تستهدف ربط ميزانية هيئة السكك الحديدية بالأداء ومؤشرات قياس النتائج.

 

 وبسبب عدم استيفاء المتطلبات المرتبطة بهذا الإصلاح، ظلت دفعة تبلغ 29 مليون دولار معلقة وغير مستحقة للصرف إلى حين تنفيذ الشروط المطلوبة،  ويكشف ذلك أن التمويل الدولي لا يرتبط فقط بتنفيذ أعمال البنية التحتية، وإنما أيضًا بإحداث تغييرات في طريقة إدارة وتشغيل الهيئة.

أبرز مناطق التأخير

ويسجل المشروع تأخرًا ملحوظًا في قطاع القاهرة–بني سويف مقارنة بالجدول الزمني الأصلي، إلى جانب استمرار الصعوبات في تصميم وتطبيق نظام إدارة السلامة وتدريب العاملين عليه.

ورغم أن البنك الدولي يرى أن أهداف المشروع ما زالت قابلة للتحقيق، فإنه يشير إلى أن الوصول إليها قد يتطلب تمديد موعد إغلاق المشروع المقرر حاليًا في 30 سبتمبر 2027.

والإشادة التي نقلتها حكومة السيسي عن البنك الدولي تتعلق بنتائج بينها تحديث أنظمة الإشارات، وتحسين موثوقية الرحلات، وتطوير البنية الأساسية، وخفض استهلاك الوقود والانبعاثات، فضلًا عن تحسين الربط بين المواطنين والأسواق وفرص العمل.

 

 لكن هذه النتائج لا تعني تلقائيًا أن المشروع استوفى جميع أهدافه أو أن معدلات التنفيذ والصرف تسير وفق الخطة.

 

 وبعبارة أخرى، يمكن لمشروع ما أن يحقق تحسينات ملموسة في بعض مكوناته، بينما يظل متأخرًا في مكونات أخرى، خصوصًا إذا كان المشروع واسعًا ومتعدد الأهداف.

ملاحظات متكررة

وتكتسب أرقام مشروع RISE أهمية أكبر عند مقارنتها بملاحظات سابقة على مشروعات أخرى ممولة بقروض خارجية، وسبق رصد انخفاض معدلات السحب من قرض لتطوير إشارات السكك الحديدية بين نجع حمادي والأقصر، كما ظهرت ملاحظات بشأن محدودية الاستفادة من تمويلات مخصصة لتطوير الخط الأول لمترو القاهرة.

 

 وفي تقرير آخر، أشار بنك التنمية الأفريقي إلى تأخر بدء السحب الفعلي من قرض مخصص لتحديث السكك الحديدية، وربط ذلك بجزء من الإجراءات الداخلية المطولة لدى هيئة السكك الحديدية.

 

 وتشير هذه الوقائع مجتمعة إلى أن التحدي لا يتعلق فقط بالحصول على التمويل، وإنما بقدرة الجهات المنفذة على تحويل القروض إلى مشروعات مكتملة ونتائج قابلة للقياس في المواعيد المحددة.

 

القطار الكهربائي السريع

ويمتد النقاش إلى مشروع شبكة القطارات الكهربائية السريعة، وإن كان مشروعًا مختلفًا عن RISE.

 

 فالجدل هنا لا يتعلق بالضرورة برفض النقل السريع أو التكنولوجيا الحديثة، وإنما بسؤال الأولوية والتوقيت وحجم الإنفاق في ظل الضغوط التي تعرض لها الاقتصاد المصري من نقص العملة الأجنبية وارتفاع أعباء الديون.

 

 ويطرح منتقدو المشروع سؤالًا حول ما إذا كان توجيه استثمارات ضخمة إلى شبكة جديدة طويلة الأجل هو الخيار الأفضل في وقت لا تزال فيه الشبكة التقليدية، التي تخدم الكثافات السكانية الكبرى في القاهرة والدلتا والصعيد، بحاجة إلى تطوير وصيانة ورفع مستويات السلامة والكفاءة.

كما يثار جدل بشأن طبيعة المسارات الجديدة ومدى استفادتها من الكثافات السكانية القائمة مقارنة بخدمتها للمدن الجديدة والمناطق الاستثمارية والسياحية.

من القروض إلى بيع الأصول

واعتبر التقرير هذه التطورات ضمن سياق اقتصادي أوسع يتعلق بأزمة العملة الأجنبية وارتفاع الالتزامات الخارجية. أو حل مؤقت لأزمة الدولار، ومع صعوبة الحصول على تمويل جديد وارتفاع أعباء الديون والأقساط، تلجأ الدولة إلى مصادر مختلفة لتوفير السيولة، من بينها بيع بعض الأصول.

وبيع الأصول يوفر تدفقات مالية لمرة واحدة، ولا يمثل في حد ذاته مصدرًا مستدامًا للعملة الأجنبية؛ إذ لا يمكن تكرار بيع الأصل نفسه.

ومن هنا يصبح التحدي الأساسي هو قدرة الاقتصاد على توليد تدفقات دولارية مستمرة من الصادرات والاستثمار والسياحة وتحويلات العاملين وغيرها، بدل الاعتماد بصورة متزايدة على الاقتراض أو بيع الأصول لتغطية الاحتياجات التمويلية.

https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/099081926105018974?utm_source=chatgpt.com