أزمة عجز المعلمين تتجدد مع اقتراب انطلاق العام الدراسى الجديد بسبب إصرار حكومة الانقلاب على عدم تعيين معلمين جدد واللجوء إلى مسكنات مثل معلمى الحصة وتمديد خدمة بعض المعلمين الذين بلغوا سن التقاعد ويرغبون فى مواصلة العمل.
هذه الحلول لا تمثل علاجًا جذريًا للأزمة، ورغم أن هذه الإجراءات لا تُلبى احتياجات المدارس وتظل العملية التعليمية مهددة بالانهيار، إلا أن حكومة الانقلاب لا تطرح أى حلول فهى تعمل من أجل تنفيذ إملاءات صندوق النقد الدولى الرامية إلى إلغاء التعليم المجانى .
معلم الحصة
فى هذا السياق، قال الخبير التربوى الدكتور مجدى حمزة، إن الاستعانة بالمعلمين بنظام الحصة ليس حلًا حقيقيًا لأزمة عجز المعلمين، وإنما بمثابة «مسكن للألم»، موضحًا أن معلم الحصة لا يرتبط بالوزارة بعقد رسمى بالمعنى التقليدى، ولا يخضع للائحة واضحة تنظم حقوقه وواجباته، فضلًا عن عدم تمتعه بالاستقرار الوظيفى، وهو ما يجعل إمكانية تركه للعمل فى المدرسة قائمًا فى أى وقت، بما ينعكس على انتظام العملية التعليمية واستقرار الطلاب.
ووصف «حمزة» فى تصريحات صحفية نظام التعاقد بالحصة بأنه يشبه نظام العمل بالمكافأة، مؤكدًا أن المشكلة الأساسية تكمن فى تحول هذا الأسلوب من إجراء استثنائى إلى وسيلة متكررة للتعامل مع العجز فى أعداد المعلمين.
وأشار إلى أن ملف تعيين المعلمين شهد فجوة كبيرة على مدار سنوات طويلة، موضحًا أن آخر تعيينات واسعة النطاق للمعلمين، تعود إلى عام 1996، بينما لم تنجح المبادرات اللاحقة فى تغطية الاحتياجات الفعلية للمدارس.
وأضاف «حمزة» أن مبادرة تعيين 30 ألف معلم لم تسفر سوى عن تعيين نحو 12 ألف معلم خلال 7 سنوات، وهو عدد لم يكن كافيًا لسد العجز المتراكم داخل المدارس.
وكشف أن وزارة تعليم الانقلاب لا تزال بحاجة إلى نحو 420 ألف معلم لسد العجز، وفقًا للبيانات الرسمية، معتبرًا أن هذا الرقم يعكس حجم الفجوة التى تواجهها المنظومة التعليمية، ويؤكد أن التعيينات التى تمت خلال السنوات الماضية لم تكن كافية لمعالجة المشكلة من جذورها.
وأوضح «حمزة» أن الطالب هو الطرف الأكثر تضررًا من عدم استقرار نظام معلمى الحصة، موضحًا أن ترك المعلم للعمل بشكل مفاجئ أو عدم استمراره طوال العام الدراسى قد يؤدى إلى اضطراب العملية التعليمية داخل الفصل.
معايير واضحة
وتابع أن المشكلة لا تتعلق فقط بالاستقرار الوظيفى، وإنما أيضًا بمعايير اختيار المعلمين، محذرا من أن غياب معايير واضحة وموحدة لاختيار بعض معلمى الحصة قد يؤدى إلى الاستعانة بأشخاص ليست لديهم الخبرة أو التدريب الكافى على التعامل مع الطلاب.
وحذّر «حمزة» من أن عدم تأهيل المعلم بالشكل المناسب قد ينعكس على جودة العملية التعليمية، وقد يؤدى فى بعض الحالات إلى تقديم معلومات غير دقيقة أو أساليب تعليمية غير مناسبة للطلاب.
وأشار إلى معاناة بعض معلمى الحصة من تأخر صرف مستحقاتهم المالية لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر، معتبرًا أن عدم انتظام حصول المعلم على أجره يمثل عاملًا إضافيًا يؤثر على استقراره المهنى والنفسى.
وأكد «حمزة» أن مواجهة عجز المعلمين يتطلب الانتقال من الحلول المؤقتة إلى سياسة واضحة ومستدامة للتعيين والتأهيل والتوزيع.
المستوى الأكاديمى
وحذّر الخبير التربوى الدكتور تامر شوقى، من تداعيات استمرار أزمة عجز المعلمين داخل المدارس، مؤكدًا أن المعلم يُمثل حجر الزاوية فى العملية التعليمية، وأن أى نقص فى أعداد المعلمين أو الاستعانة ببدائل غير مستقرة ينعكس بصورة مباشرة على جودة التعليم ودور المدرسة التربوى.
وقال شوقى فى تصريحات صحفية إن المعلم لا يقتصر دوره على شرح المقررات الدراسية، وإنما يؤدى مجموعة من الأدوار الأساسية، من بينها رفع المستوى الأكاديمى للطلاب، وتربيتهم على القيم والأخلاق، وحمايتهم من الغزو الثقافى والفكرى، ونقل القيم والسلوكيات الإيجابية إليهم. كما أنه يمثل نموذجًا وقدوة للطلاب، من خلال ممارساته اليومية داخل الفصل
وأكد أن استمرار العجز فى أعداد المعلمين يؤدى إلى مجموعة من التداعيات الخطيرة، فى مقدمتها تراجع الدور التعليمى للمدرسة، فضلًا عن نفور بعض الطلاب منها وتزايد معدلات الغياب، نتيجة عدم توافر المعلم المتخصص فى بعض المواد.
وكشف شوقى أن غياب المعلم يدفع الطلاب إلى البحث عن بدائل خارج المدرسة، وعلى رأسها مراكز الدروس الخصوصية، التى تستغل احتياج الطلاب إلى المعلمين المتخصصين فى مختلف المجالات.
وأشار إلى أن المشكلة لا تتوقف عند فقدان المدرسة دورها التعليمى، وإنما تمتد إلى تراجع دورها التربوى والتوجيهى، بما قد يؤدى إلى ترك مسئولية تعليم الطلاب وتربيتهم لأشخاص غير متخصصين أو لمراكز يكون هدف بعضها الأساسى تحقيق العائد المالى، وليس تقديم العملية التعليمية بصورة متكاملة.
نظام البكالوريا
ولفت شوقى إلى أن أزمة نقص المعلمين مرشحة للتفاقم خلال العام الدراسى المقبل، خاصة مع إدخال مواد جديدة فى نظام البكالوريا تتطلب معلمين متخصصين غير متوافرين بالقدر الكافى حاليًا.
وأوضح أن زيادة أعداد الطلاب سنويًا تُمثل عاملًا آخر فى تفاقم العجز، بما يعنى الحاجة المستمرة إلى زيادة أعداد المعلمين بالتوازى مع نمو أعداد الطلاب، لافتا إلى أن من أبرز مشكلات معلمى الحصة، غياب الاستقرار الوظيفى والمالى، إذ لا يرتبط بعضهم بعقد رسمى مستقر مع وزارة تعليم الانقلاب، ولا يتمتعون بالضمانات الوظيفية نفسها التى يحصل عليها المعلم المعين.
وأشار شوقى إلى أن عدم وجود ارتباط وظيفى مستقر قد يجعل المعلم أكثر عرضة لترك المدرسة فى أى وقت، كما أن بعض معلمى الحصة لا يشاركون فى جميع جوانب العملية التعليمية، وقد يتم استبعادهم من بعض أعمال الامتحانات أو التصحيح، لافتا إلى أن تأخر صرف مستحقات بعض معلمى الحصة لعدة أشهر يمثل مشكلة إضافية، لأنه يؤثر على رضاهم الوظيفى وشعورهم بالأمان والاستقرار.
وحذر من أن هذه الظروف قد تنعكس فى النهاية على أداء المعلم داخل الفصل، إذ إن عدم الاستقرار الوظيفى والمالى قد يدفع بعض المعلمين إلى أداء عملهم بصورة سطحية، وهو ما ينعكس سلبًا على المردود التعليمى والتربوى للطلاب.
خريجو كليات التربية
وطرح شوقى مجموعة من الحلول للتعامل مع الأزمة، فى مقدمتها تثبيت معلمى الحصة باعتبارهم جزءًا من الكوادر التى يمكن الاستفادة منها بدلًا من استمرار التعامل معهم باعتبارهم حلًا مؤقتًا.
وشدد على ضرورة الإسراع فى إجراءات تعيين المعلمين من خلال المسابقات المختلفة، مشيرًا إلى أن طول الإجراءات والاختبارات قد يؤدى إلى استمرار العجز لفترات طويلة، فى الوقت الذى تكون فيه المدارس فى حاجة عاجلة إلى المعلمين
وأكد شوقى أن أحد الحلول الأساسية للأزمة يتمثل فى إعادة النظر فى تكليف خريجى كليات التربية لسد العجز فى المدارس، باعتبارهم الأكثر تأهيلًا من الناحية التربوية للعمل داخل الفصول.